حسن الأمين

254

مستدركات أعيان الشيعة

فشجعني هذا بعد ذلك على الارتجال واستسهلته ومضيت به بعد ذلك في حياتي كلها . دمشق يوم ذاك كانت مدينة دمشق في تلك الحقبة من مطالع القرن تعيش فترة انتقالية ، في عاداتها وتقاليدها الاجتماعية ، ما بين المحدث والقديم الذي كان في أواخر أيامه وكانت وسائط النقل في المدينة تتنوع بين الترامواي وعربات الخيل والسيارات على قلتها وندرتها ، وهي للخاصة من القوم أما سيارات الأجرة فكانت معدودة ومخصصة للانتقال بين المدن دمشق - بيروت على الأغلب ، لأن طريق دمشق - حلب كانت بالقطار . ودمشق تلك الحقبة كانت في أحيائها وطراز بيوتها من أندر مدن العالم . وكان بعض القديم من بيوتها قائما كما كان منذ عقود كثيرة من السنين . وقد زرت دمشق قبل أسبوع وأدهشني بقاء حينا وبعض الأحياء الأخرى على ما كان فيها من أزقة ودخلات ، تعادل ما يسمونه في بيروت « الزواريب » . أما البيوت فأمرها عجيب إذا رأيتها من الخارج فستظن إنك أمام خرائب لكن عند دخولك إليها ستفاجئك باحاتها الواسعة بما تحتويه من أشجار ونباتات مزهرة وأحواض ، إلى بركة في وسط الباحة . وحتى بيوت الفقراء كانت تحتوي على بحرة وأشجار ونباتات مزهرة ولا بد في كل بيت من وجود ما يسمونه « ليوان » يقع في وسط المنزل ويفضي إلى أرض الدار أو فسحتها ، وهذا الترتيب للبيوت كان يتوخى على الأرجح ، تعويض النساء عن عدم التنزه في المنتزهات العامة ، إذ بجلوسهن في الليوان يشرفن على البحرة وأحواض ( الزريعة ) والأشجار . ومنذ أواسط الثلاثينات بدأ الناس يخرجون من هذه البيوت ، حتى الفخمة منها ، إلى بيوت السكن الحديثة ذات الطوابق الكثيرة . إلا أن الفقراء ومتوسطو الحال بقوا في تلك البيوت التي لا تزيد طوابقها عن اثنين الأرضي منهما للإقامة في الصيف للرطوبة فيه ، لأن المياه تحيط دمشق من كل جانب ، إلا أن النوم يكون في الطابق العلوي صيفا وشتاء بسبب شدة الرطوبة . ومن أعقد وأغرب ما في دمشق نظام توزيع المياه على أحيائها وبيوتها منذ القديم . وهو نظام دقيق ومحكم التنظيم ويستلزم أخصائيين لشرحه . ففي كل زقاق من أزقة دمشق كان يوجد ما يسمى « الطالع » وهو جرن مقفل تنصب فيه المياه الآتية من المركز الأساسي الذي يغذي المدينة . ولهذا الجرن فرضات متساوية على حافته الدائرية ، منها تتغذى البيوت بالمياه بالتساوي وإلى مياه « الطوالع » ، كان في كل منزل دمشقي قديم بئر تستخرج منه مياه الاستعمال بالمضخة اليدوية . وإلى البحرة القائمة في أرض الدار ، كانت هناك بحرة ثانية تقوم في المطبخ ، لا أدري من أين كانت تتزود بالمياه . . . كان دمشق كانت مدينة للمياه . أزياء ، مقاه وفرنسيون كان الغالب على ملبس الجمهور الدمشقي حتى في أوساط الأثرياء من كبار التجار وزعماء الأحياء ، ارتداء « القمباز » وما يغلب على القنابيز هو حياكتها في دمشق . ولا بد من شد وسط الرجل بزنار عريض . وفي لباس الرأس ، ولا سيما بين التجار ، كان الطربوش ملفوفة عليه عمامة مطرزة صفراء اللون تعرف ب « الغباني » . على أن الأبناء من طلاب المدارس كانوا يلبسون اللباس المحدث ، بينما بقي الأبناء الكبار السن ، الذين لم يتسن لهم متابعة الدارسة ، على أزياء آبائهم ، لكن من غير لف طرابيشهم بالعمامة . وهكذا كان البيت الدمشقي يحتوي ثلاثة أنواع من الملابس . وفي عهدنا بدأ التطور يظهر في تخلي الآباء عن العمامة واكتفائهم بالطربوش ، كما تخلى الأبناء الكبار عن القمباز لصالح لباس إخوانهم الصغار المحدث ، إلى أن تخلى الآباء عن اللباس التقليدي لصالح الزي الرسمي المعروف الآن . أما ملابس النساء فكانت واحدة موحدة تلتزمها الجدة العجوز كما الفتاة الشابة ، أو البنت التي بلغت الست السنوات . والملاءة السوداء كانت تغطي الجميع ، والنقاب الأسود يجب الوجوه ، إلا أن ما يختلف بين النساء هو ما تحت الملاءة من ملابس . والملاهي لم تكن معروفة في دمشق ، إلا تلك المخصصة للرواد من الفرنسيين والأجانب والبعض من الدمشقيين ممن تطبعوا بطباعهم . وبيروت كانت تزدحم بالدمشقيين أيام الجمعة من كل أسبوع ، وعلى الأغلب منذ ما بعد ظهر نهار الخميس حتى صباح السبت الباكر . وكان لانتقال الدمشقيين إلى بيروت سببان : استيراد السلع من التجار ، واللهو والعبث في ملاهي بيروت التي كانت تستقبلهم ليلتين كاملتين ، إذ يجدون فيها ما لا أثر له في دمشق . أما المقاهي الدمشقية فكانت كثيرة وتزدحم بالرواد في الآصال والأماسي ، ولا سيما بعد أن شق شارع بغداد وقامت على جانبيه بعض المقاهي الحديثة النظيفة الشبيهة بالمنتزهات . أما قلب الأحياء وأطرافها فكانت تحوي مقاهي الفقراء . وكانت شلل من الطلبة الدمشقيين ، ممن تؤثر في « ميزانيتهم » القروش الخمسة ، ترتاد هذه المقاهي وتساوم أصحابها على الجلوس فيها خلال الاستعداد للامتحانات من الصباح حتى المساء للمذاكرة لقاء خمسة قروش من دون طلب أي شيء من المقهى . أما المطاعم الدمشقية فكانت محدودة وتقدم المآكل الدمشقية المحلية الفاخرة . ومن أشهرها كان « مطعم أسدية » في قلب سوق الحميدية الذي كانت تكثر فيه محلات بيع ( البوظة ) غير المعروفة إلا في دمشق . والعابر سوق الحميدية كان يرى باعة البوظة ينهالون بمخابيطهم الخشبية الكبيرة على ما في داخل الأواني النحاسية . وكانت هذه المحال تمتلئ بالناس ، وفيها فقط كنت تشاهد النسوة يتناولن البوظة في زاوية من المحل من تحت أنقبتهن السوداء . نقول ( البوظة ) لأنه الاسم المعروف في لبنان للحليب المجمد . أما في دمشق فكان اسمه ( القيمق ) . وأبناء الجالية الفرنسية من ضباط ومستشارين ، ومن إليهم ، كانوا لا يختلطون بالأهالي الذين ينفرون منهم وكانت للفرنسيين حياتهم الخاصة . ومن شدة كره الناس لهم كان يتجنبون الظهور في الشوارع والأماكن العامة ، خصوصا في الأحياء . أما إقامتهم فكانت على أطراف دمشق ، وفي حي الصالحية على الغالب ، وبالقرب مما سمي بالجسر الأبيض كان يقوم بيت المفوض السامي الذي كان مقره الأساسي في بيروت . من تقاليد دمشق من الذكريات الدمشقية الجميلة في ذلك العهد سهرات الأدوار في ليالي الشتاء . فقد كان هناك تقليد دمشقي اجتماعي يسمى ( الدور ) وذلك أن أرباب كل حرفة من الحرف أو أية جماعات أخرى يرتبط بعضها ببعض برابط ما . كان يلتقي أفرادها في ليالي الشتاء في بيت أحدهم في ليلة معينة من الأسبوع فيظل هؤلاء يتنقلون طوال فصل الشتاء من بيت في الأسبوع إلى بيت آخر في الأسبوع التالي حتى يأتي ( الدور ) على آخر